أحمد بن محمد المقري التلمساني
98
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الفتح : وحملنا لإحدى « 1 » ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر ، أحسن من شادن مهر « 2 » ، تشقّها جداول كالصّلال « 3 » ؛ ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال ، ومعنا جملة من أعيانها ، فأحضرنا من أنواع الطعام ، وأرانا من فرط الإكرام والإنعام ، ما لا يطاق ولا يحدّ ، ويقصر عن بعضه العدّ ، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته ، فقابلته بكلام أعتقده ، وملام أحقده ، فلمّا كان من الغد لقيت منه اجتنابه ، ولم أر منه ما عهدته من الإنابة ، فكتبت إليه مداعبا له ، فراجعني بهذه القطعة : [ الطويل ] أتتني أبا نصر نتيجة خاطر * سريع كرجع الطّرف في الخطرات فأعربت عن وجد كمين طويته * بأهيف طاو فاتر اللّحظات « 4 » غزال أحمّ المقلتين عرفته * بخيف منّى للحين أو عرفات « 5 » رماك فأصمى والقلوب رميّة * لكلّ كحيل الطّرف ذي فتكات « 6 » وظنّ بأنّ القلب منك محصّب * فلبّاك من عينيه بالجمرات تقرّب بالنسّاك في كلّ منسك * وضحّى غداة النّحر بالمهجات وكانت له جيّان مثوى فأصبحت * ضلوعك مثواه بكلّ فلاة يعزّ علينا أن تهيم فتنطوي * كئيبا على الأشجان والزّفرات فلو قبلت للناس في الحبّ فدية * فديناك بالأموال والبشرات ومن إيثار ديانته ، وعلامة حفظه للشرع وصيانته ، وقصده مقصد المتورّعين ، وجريه جري المتشرعين ، أنّ أحد أعيان بلده كان متّصلا به اتّصال الناظر بسواده ، محتلّا في عينه وفؤاده « 7 » ، لا يسلمه إلى مكروه ، ولا يفرده في حادث يعروه ، وكان من الأدب في منزلة تقتضي إسعافه ، ولا تورده من تشفيعه في مورد قد عافه ، فكتب إليه ضارعا في رجل من خواصّه اختلط بمرأة طلّقها ، ثم تعلّقها ، وخاطبه في ذلك بشعر ، فلم يسعفه ، وكتب إليه مراجعا : [ المتقارب ]
--> ( 1 ) في ه : « إلى إحدى ضياعه » . ( 2 ) في ب : « شاذ مهر » . ( 3 ) الصلال : الأفعى . ( 4 ) في ه : « فأغربت عن وجد » . والأهيف : من ضمر بطنه ورق خصره . وكذلك الطاوي . ( 5 ) أحم المقلتين : أسودهما . وفي ب : « للحسن أو عرفات » . ( 6 ) أصمى : أصاب المقتل فقتل . ( 7 ) في ج : « محتفلا في عينيه وفؤاده » .